عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 18
خريدة القصر وجريدة العصر
وتحدث في ترجمته لأبي الوفاء علي بن عقيل الإمام الحنبلي المشهور ، في الخريدة ، عن استقرائه للمناظرات التي جرت بينه وبين الكياالهراسيّ ، فذكر أنه علق منها فوائد كثيرة ونكتا غريبة ، وقد أعجبه منها أنه وجد كلاما جزلا ، وأسلوبا بديعا رائقا ، ومنهاجا قويما واضحا . ووصف في « نصرة الفترة » ترصده ، أيام صباه ، مجالس الأمير العالم قطب الدين أبي منصور المظفر بن أردشير العبادي الواعظ المشهور ، المتوفّى سنة 547 ه ، وحرصه على حضور مجالسه يكتبها من لفظه . وقد قدم هذا الأمير العالم الواعظ بغداد سنة 541 ه رسولا من السلطان سنجر إلى الخليفة ، ووعظ ببغداد بجامع القصر وبدار السلطان ، ففتن السلطان فمن دونه بفصاحته ، وحضر مجلسه السلطان مسعود فمن دونه ، وأما العامة فإنهم كانوا يتركون أشغالهم لحضورهم مجلسه والمسابقة اليه « 1 » . وكان العماد يومئذ في الثانية والعشرين من عمره فشهد بعض مجالسه على شاطئ دجلة ، وإذا السلطان وقد أطل عليه من أعلى مكان ، والأمير عباس صاحب الريّ في شبّارته بدجلة بحيث يسمعه ، والجماهير البغدادية محدقة به ملقية بأسماعها اليه ، وهو يفتنهم جميعا بما يبديه من سحره ويبدعه . وشهد العماد في هذا المجلس الخليفة المقتفي لأمر اللّه يقوم فيقبل على العبادي ويقبّله ، ويرفعه ويبجّله ، ويأمره بالجلوس في جامع القصر بحيث يقرب من منظرته ليجلس حيث لا يراه وهو بحضرته ، فأخذ بما رأى من عبقرية الواعظ ومن إصفاق الدولة والشعب على تكريم النبوغ ، فطفق يترصد مجالسه مدة مقامه ببغداد : يكتبها من لفظه ، ليتملّى بدائهه وروائعه ، وليكون له مثل حظه من العلم والفصاحة والبيان ، إذ كان - كما حدّث عن نفسه فيما حمله على تعليق مناظرات أبي الوفاء والكياالهراسي - يروقه الكلام الجزل السهل ، والأسلوب البديع الرائق ، والمنهاج القويم الواضح . ثم إنّه ، بعد أن أنفق زمنا في التحصيل ببغداد ، عاد إلى أصبهان مع أبيه في سنة 543 ه
--> ( 1 ) الكامل ( 11 / 48 ) بولاق ، ومختصر تأريخ الاسلام للذهبي ( مخطوط في خزانة الأوقاف ببغداد ) .